محمد بن جرير الطبري

25

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عنه هذا الخبر . وإنما قال : لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ لأَن الله تعالى ذكره كان قبض روحه أول النهار ، ثم رد إليه روحه آخر النهار بعد المائة عام فقيل له : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما ؛ وهو يرى أن الشمس قد غربت فكان ذلك عنده يوما لأَنه ذكر أنه قبض روحه أول النهار وسئل عن مقدار لبثه ميتا آخر النهار وهو يرى أن الشمس قد غربت ، فقال : لبثت يوما ، ثم رأى بقية من الشمس قد بقيت لم تغرب ، فقال : أو بعض يوم ، بمعنى : بل بعض يوم ، كما قال تعالى ذكره : وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ بمعنى : بل يزيدون . فكان قوله : أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ رجوعا منه عن قوله : لَبِثْتُ يَوْماً . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قال : ذكر لنا أنه مات ضحى ، ثم بعثه قبل غيبوبة الشمس ، فقال : لبثت يوما . ثم التفت فرأى بقية من الشمس ، فقال : أو بعض يوم . فقال : بل لبثت مائة عام . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها قال : مر على قرية فتعجب ، فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله أول النهار ، فلبث مائة عام ، ثم بعثه في آخر النهار ، فقال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم ، قال : بل لبثت مائة عام . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، قال : قال الربيع : أماته الله مائة عام ، ثم بعثه ، قال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم . قال : بل لبثت مائة عام . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال ، ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : لما وقف على بيت المقدس وقد خربه بختنصر ، قال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها كيف يعيدها كما كانت ؟ فأماته الله . قال : وذكر لنا أنه مات ضحى ، وبعث قبل غروب الشمس بعد مائة عام ، فقال : كم لبثت ؟ قال : يوما . فلما رأى الشمس ، قال : أو بعض يوم . القول في تأويل قوله تعالى : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ . يعني تعالى ذكره بقوله : فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ لم تغيره السنون التي أتت عليه . وكان طعامه فيما ذكر بعضهم سلة تين وعنب وشرابه قلة ماء . وقال بعضهم : بل كان طعامه سلة عنب وسلة تين وشرابه زق من عصير . وقال آخرون : بل كان طعامه سلة تين ، وشرابه دن خمر أو زكرة خمر . وقد ذكرنا فيما مضى قول بعضهم في ذلك ونذكر ما فيه فيما يستقبل إن شاء الله . وأما قوله لَمْ يَتَسَنَّهْ ففيه وجهان من القراءة : أحدهما : " لم يتسن " بحذف الهاء في الوصل وإثباتها في الوقف . ومن قرأه كذلك فإنه يجعل الهاء في يتسنه زائدة صلة كقوله : فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وجعل فعلت منه : تسنيت تسنيا ، واعتل في ذلك بأن السنة تجمع سنوات ، فيكون تفعلت على نهجه . ومن قال في السنة سنينة فجائز على ذلك وإن كان قليلا أن يكون تسننت تفعلت ، أبدلت النون ياء لما كثرت النونات كما قالوا : تظنيت وأصله الظن ؛ وقد قال قوم هو مأخوذ من قوله : مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وهو المتغير . وذلك أيضا إذا كان كذلك ، فهو أيضا مما بدلت نونه ياء ، وهو قراءة عامة قراء الكوفة . والآخر منهما : إثبات الهاء في الوصل والوقف ، ومن قرأه كذلك فإنه يجعل الهاء في يتسنه لام الفعل ويحملها مجزومة بلم ، ويحصل فعلت منه تسنهت ، ويفعل : أتسنه تسنها ، وقال في تصغير السنة : سنيهة ، ومنه : أسنهت عند القوم ، وتسنهت عندهم : إذا أقمت سنة ، هذه قراءة عامة قراء أهل المدينة والحجاز . والصواب من القراءة عندي في ذلك ، إثبات الهاء في الوصل والوقف ، لأَنها مثبتة في مصحف المسلمين ، ولإِثباتها وجه صحيح في كلتا الحالتين في ذلك . ومعنى قوله : لَمْ يَتَسَنَّهْ لم يأت عليه السنون فيتغير ، على لغة من قال : أسنهت عندكم أسنه : إذا أقام سنة ، وكما قال الشاعر :